مقالات  >>  البيت السعيد  >>  تبادل الأدوار بين الزوجين
.

تبادل الأدوار بين الزوجين

خلق الله الرجل والمرأة وركب فيهما صفات متشابهة في بعض الأمور الإنسانية وأخرى متباينة , وذلك لتحقيق التكامل البشري بين النوعين , ولكي يشعر كل منهما بحاجته لصفات الآخر التي تضبط كثيرا من سلوكياته .

 وأعطى الله كلا من  الرجل والمرأة المقومات التي يستطيع أن يمارس بها دوره المنوط به في إعمار الحياة بالكيفية التي وكله الله بها .

 ولهذا كان الزواج أكمل علاقة إنسانية ففيها ينال كل طرف ما يحتاجه من الطرف الآخر ماديًا ومعنوياً ويلبي كل منهما جميع مطالب الآخر في علاقة شرعية ونظيفة وترضي الله سبحانه

 ولكن الخلل والخطر عندما يبتعد أحدهما أو يفتقد الصفات التي يجب أن تتوفر فيه فيضطر الآخر كمحاولة منه لتعويض الأبناء أو للمحافظة على الكيان الأسري كله أن يحاول أن يكتسب بعض الصفات التي كان من المفترض ان تكون في زوجه, فتحدث مشكلة تربوية كبرى للأبناء وربما تؤثر على البيت كله .

 ولكن المشكلة الأكبر توجد حينما يتبادل الزوجان المواقع والأدوار فيؤدي الرجل دور الزوجة – في وجودها – وتؤدي المرأة دور الزوج في تسيير أمور البيت أو في معاملة أبنائها .

  فغالبا ما يكتسب الزوج من الصفات التي جبل عليه كرجل صفات الخشونة والصرامة والحسم والقدرة على تسيير الأمور واتخاذ القرارات ودراستها بمنطق عقلي , والأصل أن يكون وجوده مكسبا للأسرة بشعور بالأمان الخارجي سواء المادي منه والمعنوي .

 وغالبا ما تكتسب الزوجة من الصفات التي جبلت عليها كامرأة صفات الرقة والحنان والاحتواء والعطف والحنو على الصغار وبث روح التجمع في البيت والصفح عن الأخطاء وجمع المفترق ولم الشتات والحرص على عدم وجود خلاف بين اثنين في الأسرة حتى لو دفعت مقابل ذلك من راحتها هي , ودائما ما يكون وجودها مكسبا للأسرة بالشعور بالأمان الداخلي المعنوي منه قبل المادي .

 ولكن هناك حالات تشذ عن هذه القاعدة الأساسية وذلك لظروف طارئة أو مستمرة ولظروف خارجية قسرية أو داخلية طبيعية ومنها :

 الأب العائد بعد غياب

الأول : تضطر الظروف المالية لكثير من الأسر بجعل بديل السفر لخارج البلاد أو العمل الكثير خارج المنزل لفترتي عمل متصلة لغياب الأب غيابا طويلا سواء يومي أو سنوي , فلا يرى الأب أبناءه في اليوم إلا مجرد لحظات قبل خلودهم لنومهم وخلوده هو أيضا للنوم بسبب العمل المرهق الطويل , وربما لا يتسنى لبعض الآباء الالتقاء بأبنائهم يوميا رغم أنه غير مسافر خارجا إذ يعود بعد نومهم ويضطر للخروج قبل استيقاظهم من نومهم .

 والأب الثاني : مسافر أغلب فترات العام خارج بلاده وأسرته ليست معه , فيعود شهرا في العام محملا بمشاعر فياضة قبل أن يكون محملا بكل ما يسعد أبناءه من الأشياء المادية .

 والأب الثالث : لظروف غياب للأب تتعلق بالزواج بزوجة أخرى أو أكثر وتكون إقامتهم في مساكن منفصلة , فلا يقيم في هذا المنزل بعد انتهائه من عمله إلا سويعات قليلة مقسمة أصلا على بيوته , ويأتي ولزوجته حق في الائتناس به ولأبنائه حق كذلك , فلا يكون نصيب الأبناء بعد تقسيم المقسم من لحظات قربهم من أبيهم إلا قليلة وربما نادرة .

 والأب الرابع : أب كثير السفر كثير العمل لا يستقر بحسب عمله إلا فترات قليلة ثم بعدها يعاود السفر مرة أخرى , وغيرهم الكثير من النماذج .

 ومع كل هؤلاء الآباء أمهات مقيمات , تجد الواحدة منهن نفسها متحملة وحدها العبء الأكبر أو كل العبء في التربية , فلغياب الأب تضطر لكي تتقمص دور الأب حتى يشعر أبناؤها بعد فترة أن الأم قد تحولت بالفعل إلى أب بكل سلوكياته , فتتحدث بعنف , يعلو صوتها باستمرار , تكثر حدتها , تزداد عصبيتها , يكثر حزمها وحسمها في الأمور , وتكون كلمتها قاطعة دون انتظار للأب الغائب الذي ابتعد عن أداء دوره .

 فتكون لحظات وجود الزوج وبالا عليها وعلى الأسرة ونظامها , فيكثر أغلب الآباء في التدليل والاحتضان , ويُلغي وينهار كل نظام معمول به في الأسرة مادام موجودا , ويستطيع بسلطته الزوجية أن يمنع عن أبنائه أي عقاب من أمهم على عدم التزام منهم , ويتحول الأب تماما لتقمص دور الأم بعدما تحولت الأم تدريجيا لتقمص دور الأب , والأبناء عادة ما يميلون أكثر إلى من يدللهم لا إلى من يلزمهم بالصرامة في الأوامر , فيحبون مجالسته ووجوده الطارئ ويتضررون من أمهم التي يرونها كالشرطي القاسي ويرون في أبيهم الحنو والوداعة مما يخل بالعملية التربوية من أساسها ويوجد شرخا من الصعب معالجته .

 الأب الضعيف والأم قوية الشخصية :

قوة وضعف الشخصية أحد السمات التي يتسم بها الإنسان , وتلازم الإنسان طيلة عمره , وقد يكون له مساهمة في تنميتها سلبا أو إيجابا لكنها تعود بالأكثر إلى الفترة الأولى من حياته كنتيجة لتربيته في بيت والديه ولعوامل شخصية واجتماعية.

 وليست بين سمات الشخصية خارج المنزل تلازم حتمي مع الشخصية داخله , إذ أن هناك الكثير من الحالات لرجال يحتلون مناصب رفيعة يخشاهم مرؤوسوهم خشية شديدة من سطوة شخصيته إلا أنه داخل بيته ليس له شخصية تماما أو شخصيته ضعيفة أمام زوجته ويوجد أيضا العكس .

 وليس للفقر أو الغنى أيضا يقين تلازم مع قوة الشخصية وضعفها , بل أحيانا ما يكون تأثيره عكسيا , فتجد كثيرا من الفقراء من يتحمل المسئولية ويكافح في الحياة ويتعامل مع آلاف البشر مما يؤثر تأثيرا جيدا في شخصيته , ومن الأغنياء من يجد كل شيء متاحا لديه فلا يعتمد على شخصية في إثبات ذاته بل يعتمد على ثروته وأسرته فتضعف شخصيته , ولكن الأهم أن تأثير كثرة المال وقلته على الشخصية قليل ولكنه موجود وقائم , ورغم هذا ففي الفقراء أقوياء الشخصية وضعفاؤها وفي الأغنياء كذلك .

 ولكن السمة الأبرز والأكثر تواجدا أن تكون شخصية الزوجة الغنية غالبا أقوى من شخصية زوجها إن كان فقيرا محتاجا أو كان غير كفئ لها من ناحية العلم أو الحسب الأسري .

 وفي مثل هذه الحالات يحدث تبادل الأدوار بين الزوج والزوجة , إذ تمارس المرأة دور الزوج رغم وجود زوجها وعدم غيابه عن الحد الطبيعي فلا يستطيع الأبناء أن يقضوا أمرا من أمورهم إلا بعد استئذان أمهم ومشاورتها , ولا يستطيع الرجل أن يتخذ قرارا منفردا إلا بعد الرجوع إليها بحكم امتلاكها القدرة على المال أو العلم أو المعارف من الأسرة وغير ذلك.

 وبالتالي يخشى الأبناء سطوة الأم ويجدون في الأب النموذج الحاني المستضعف الذي يجمعهم حوله ولا يغضبهم بحديث ويلتفون حوله ولا يتحملون وجود أمهم التي تكثر من الأوامر الصارمة .

 وفي هذا أيضا الخطر الكبير على التربية والذي يوجد شرخا أيضا في التربية الأسرية .

 مخاطر تبادل الأدوار

1-    مخاطر انكشاف زيف القناع .

ربما يفيد تبادل الأدوار مؤقتا في الأعوام الأولى في حياة الأبناء حيث لا يدركون الفارق الجوهري الواجب بين الأبوين وحيث لا يفرق الأبناء بين سبل إشباع حاجاتهم سواء كانت من الأب أو الأم , ولكن بعد فترة عمرية لن تستطيع الأم أن تظل ترتدي ذلك القناع المزيف من القوة الغير أصيلة في المرأة ككل وخاصة من تقدم العمر للام والأبناء على حد سواء , فلن يرهبهم التهديد ولا الوعيد من الأم كما لن يستطيع الأب الاستمرار في ارتداء قناع الأم المدللة الحانية  , وسنكشف حتما القناع الوهمي الذي ارتداه كل منهما مما يتسبب غالبا في هزة نفسية للأبناء لأنهم سيفتقدون دور الأبوين معا وهما على قيد الحياة  ولن يستطيع الأب الغائب الذي يتعامل مع أطفال أن يظل مدللا لأبنائه على الدوام حيث يكبرون وتقل أو تنعدم حاجتهم للتدليل , وساعتها سيظهر الوجه الحقيقي المفقود للأب والأم الذي سيظهر لا شك باهتا .

 2-    مخاطر العودة بعد الغياب .

غالبا ما يكون لكل غائب عودة مهما طال غيابه بعد أن يأذن الله , ولن يظل الأب غائبا على الدوام , فالأب المسافر لجمع المال ستأتيه لحظة يحتاج فيها للراحة والاستقرار وينهي سفره , والأب المشغول سيقل انشغاله بحكم السن أو الخبرة في العمل , ولكن مشاكل غيابه لا تقارن أبدا بمشكلة وجوده بعد الغياب , فالأبناء الذين اعتادوا على أب - لطيف ليس له أوامر وكل ما عليه فقط هو التدليل وقضاء الحاجات وتحقيق الرغبات والأمنيات - يواجهون مشكلة عظمى في وجود أب قادم عليهم بعد غياب يطالب بحقه الأبوي , ويريد أن يمارس مهام أبوته في الوقت الذي تخلى فيه عن تلك المهام في سنواتهم الأولى التي كانوا يحتاجونه فيها .

 

3-    مخاطر ضياع واهتزاز قيمة الأب عند الأبناء .

قد لا تتأثر الأم بخطأ تبادل الأدوار عند كشف الأقنعة وخاصة في المراحل المتقدمة في عمرها بمثل ما يتأثر الأب بذات الخطأ , فالأم التي تبدأ قوية والأبناء ضعاف , ثم تجري السنة الكونية الإلهية عليهم تضعف أثناء دخول الأبناء في مرحلة القوة بحسب السنة في البشر التي قال الله عنها " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ " , هذه الأم لن تنال من تجاهل أبنائها الكثير أثناء دورها الثاني بحكم البر والإحسان للوالدين لأنها تنتقل من القوة للضعف لكنها والانتقال من القوة للضعف يسير.

4-    مخاطر عدم تغيير الأفكار عند الأبناء .

يترسخ نتيجة لتبادل الأدوار بين الأبوين عند الأبناء مجموعة من القيم والأفكار التي اكتسبوها عمليا , فينتج جيل مشوه تربويا لا يستطيع التفرقة بين دوري الأم والأب , ومن أسوأ مخاطرة احتمالان , أما أولهما أن تتربي البنت على ممارسة دور أمها مستقبلا وفق ما شاهدته وعايشته من أفكار ويتربى الولد على ممارسة ما رأى من دور الأب , ويصعب عليهم جدا تغيير تلك الأفكار التي عاشوها واقعا بمحاضرات نظرية عن دور الأب والأم الحقيقيين , وثانيهما أن ينتج من تلك الأسرة جيل كاره لكلا الوضعين غير راغب في الزواج من الأساس فالبنت لا ترى أنها في حاجة لرجل يمارس دور أبيها في حياتها ولا الولد يريد زوجه مثل تمارس نفس دور أمه عليه وتهمش وجوده , وكلا الحالين خطر جدا وكلاهما يصعب تغيير ما خرج به من تلك العلاقة الزوجية .

 5-    مخاطر تكوين أجيال مشوهة

وأخيرا إذا تقلد الولد دور أبيه وتقلدت البنت دور أمها , وحاول كل منهما تغيير نمط زوجه المستقبلي ليماثل الدور الآخر في الزواج , فستتلاحق الأخطاء وتكثر في أجيال متتابعة تنشأ في بيئة غير سوية ولا يخرج منها إلا أجيال أكثر تشوها.