مقالات  >>  البيت السعيد  >>  الصمت الزواجي

مشكلة الصمت : أنواعه وأسبابه .

 الصمت بين الزوجين مشكلة تعاني منها العديد من الأسر ، وهي مؤشر على أن العلاقة بين الزوجين تقترب من الجمود، لذا فهي تمثل خطرا يهدد الحياة الزوجية ؛ إذ يعقبها انفجار أو انهيار وأحيانا انفصال .

والصمت مرض يصيب الرجال أكثر من النساء، لأن النساء بطبيعتهن لا يستطعن الصمت وإن كان الاجتماعيون يرون أن الصمت في الأصل كان من سمات الزوجة وخصوصاً في المجتمعات الريفية والبدوية، حيث نجد الزوج هو سيد البيت، وإذا تحدث فهو صاحب الكلمة الأخيرة، والطاعة تكون على الزوجة والأولاد، ولكن مع تطور الحياة، ووصول وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية إلى مختلف المجتمعات تناقصت هذه الصورة تدريجياً ، وأصبحنا نرى اليوم أن الزوج هو الذي يصاب بالصمت في كثير من الأحيان.

ومن اجل دراسة متكاملة لهذه الظاهرة لابد من التعرف عليها وتحليل أسبابها وتفهم أنواعها في محاولة للتعرف على المشكلة عن قرب .

و أسباب الصمت عديدة منها ما يتعلق بالفرد نفسه (زوج أو زوجة) و منها ما يتعلق بالعلاقة بينهما و منها ما يتعلق بالمجتمع ككل:

 أولا: أسباب تتعلق بالفرد نفسه :

 إن أي سلوك يتبناه الإنسان ما هو إلا حركة تعبيرية تصدر كاستجابة لمثير ما وتتحكم فيها مجموعة من الخبرات المكتسبة أو هي رد فعل لفعل معين وفقا لخبرات الفرد المرتبطة بالفعل .

والصمت الزوجي يجب أن ننظر له على أنه رد فعل أو استجابة لمثير ما وفقا لخبرة سلوكية تحكمت في توجيه الدافعية لاتخاذ قرار هذا السلوك ولذلك تختلف أسبابه تبعا لاختلاف هذه الخبرة السلوكية .

1- فقد يكون الصمت نتيجة اعتقادات ومفاهيم وخبرات يحملها الفرد وتؤثر في سلوكه نتيجة عادات وثقافات اجتماعية أو مفاهيم دينية سلبية أو خبرات اكتسبها من المجتمع المحيط به :

أ- مفاهيم سلبية خاصة لدى الزوج:

-اعتقاد الزوج أن الصمت هو الأفضل لأن الصمت حكمة وقليل فاعله والسكوت من ذهب .

-اعتقاد أن الكلام يكون في أول الزواج فقط أما بعد ذلك فلا .

-اعتقاد الزوج أنه قد أدى كل واجباته طالما أنه أدى واجباته المالية من حيث السعي والعمل والإنفاق .

- بعض الرجال يترددون كثيرا في الحديث عن أنفسهم وهمومهم لخشيتهم من التعرض للانتقاد أو الكشف عن نقاط ضعفهم وعجزهم لزوجاتهم.

- الرغبة في إخفاء حقيقة معينة كدخل الزوج المالي ومشكلات العمل ومشاريعه المستقبلية .

-يفترض الزوج أن زوجته ستتفهم انشغاله في عمله وضيق وقته .

-يفترض الزوج أن الزوجة تتصرف كما يتصرف هو من حيث أسلوب التفكير والحديث .

-الاستهانة بشكوى الزوجة على اعتبار أن النساء كلهن نكديات .

-التعامل معها بلغة العقل وإغفال الجانب العاطفي وذلك مقياسًا لطبيعة الرجل .

-عدم الثقة بقدرتها على إيجاد الحلول المناسبة لمشكلاته .

-اعتقاد أن الزوجة بطبعها كثيرة الثرثرة فمن الأفضل عدم إعطائها الفرصة للتحدث والعمل على إيقافها عند اللزوم.

-اعتقاد أنها مسؤولية الزوجة أن تبادر لتحادث زوجها وتؤمن له الراحة النفسية.

- تصور الرجل عن المرأة بأنها في مستوى أدنى وبالتالي لا يجد مبررا للتحاور معها فهو يريدها لخدمته ( أو متعته ) وقتما يريد فقط .

-اعتقاد الزوج أن المرأة لا تقدر على كتمان السر ، فهي دائمة الحديث مع الجميع دون تمييز .

-اعتقاد أن هذا هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع المرأة وخاصة أن كانت الأسرة التي تربي فيها تتبنى هذا الأسلوب .

ب- مفاهيم سلبية خاصة لدى الزوجة:

-المرأة تعد الزواج في حد ذاته هدفاً تسعى لتحقيقه، وتوجه اهتمامها إلى البيت والأولاد وتهمل ذاتها ومظهرها .

-أن تعتقد الزوجة أن تصرفات زوجها وردود أفعاله لابد أن تكون كما تتوقع-كتوقع أن يبادرها في الحوار وأن يعبر لها عن مشاعره الرومانسية في كل حديث وساعة.

-أن تتبنى أسلوب الاستفزاز لكي تخرجه من صمته وتدفعه للحوار.

-أن تعاند الزوجة آراء زوجها لاعتقادها أن الرجل لا يأتي إلا بهذه الطريقة.

-اعتقادها أن الزوج عندما يصمت في أي وقت إنما يعبر عن غضبه عليها وعن فتور الحب بينهما.

- إخفاء حقيقة معينة عن الزوج كدخلها ومشكلات أهلها أو أخطاء وقعت فيها أو مشاكل الأطفال .

-الفهم الخاطئ للمفاهيم الإسلامية الخاصة بالمرأة مثل مفهوم الطاعة ومفهوم الإشباع الجنسي و مفهوم إرضاء الزوج متجاهلة احتياجاتها ورغباتها .

2- قد يكون الصمت نتيجة تكوين الشخصية وتاريخها الأسرى : فهناك شخصيات تفضل الصمت بطبعها .وهناك شخصيات تدفع الطرف الآخر للصمت ,فالشخصية الانطوائية والذي يتسم بعدم القدرة على إيجاد العلاقات الناجحة مع من حولها. وعدم القدرة على المخالطة الإيجابية أو الشخصية ضعيفة المهارات والتي لا تتجرأ أن تعبر عن رأيها، دائماً تخشى أن يكون رأيها غير صحيح أو غير مقبول أو الشخصية المفرطة في الحساسية نحو الآخرين . فهو يتجنب الحوار لأن الحديث غالبا ما يؤلمه . هذه نماذج لشخصيات يخيم الصمت غالبا على حياتها سواء كانت حياتهم الأسرية أو حياتهم الاجتماعية . في حين هناك أنواع من الشخصيات والتي تدفع الطرف الآخر للصمت غالبا ليؤثر السلامة كالشخصية التشاؤمية والتي تنظر إلى المواقف بمنظار أسود .فلا ترى إلى الجانب المظلم من العلاقة أو الشخصية الأنانية والذي يركز على ذاته، وإشباع رغباته الشخصية دون حساب للآخر أو الشخصية النرجسية والتي تتسم بالمبالغة في حب الذات، وإبراز شخصيته بطريقة مميزة، على حساب الحط من الآخرين أو الشخصية العدوانية المضطربة والتي تتبنى سياسة أن الهجوم هو أقرب وسيلة للدفاع . مما يؤدى إلى صمت الآخر إيثارا للسلامة .

3- معاناة أحد الطرفين من الاكتئاب والذي من أهم أعراضه الصمت .

4- قد يعبر الصمت عن عدم قدرة أحد الطرفين أو كلاهما على إدارة حوار ناجح وفعال .

5- اتخاذ احد الطرفين الموقف السلبي الصامت اعتقادا منه أنه يرضي الآخر .

6- تناقض الآراء بين الزوجين في أمور الحياة والاختلاف الحاد والمتناقض في الطباع والتفكير والميول والفارق الكبير في السن مع الجهل بكيفية احترام وتقبل والتكيف مع الآخر .

7- عدم اختيار التوقيت المناسب لبدء الحوار .

8- فراغ العقل لأحد الطرفين أو كليهما بحيث لا يجد مادة متاحة للحديث .

9-عدم فهم النفس وحاجاتها أو عدم القدرة على التعبير عن المشاعر والاحتياجات والأفكار بأساليب صحيحة سواء بوسائل لفظية أو غير لفظية ، أو التعبير بلغة غير مباشرة وغير واضحة.

10- عدم وجود مساحات مشتركة للاهتمام وعدم وجود أحلام جديدة مشتركة بين الزوجين يسعيان لتحقيقها .

11- العدوان السلبي لأحد الطرفين مما يؤدي إلى ما يسمى "صمت العناد والتجاهل فهو إعلان عن العصيان

12- انشغال الرجل المفرط بعمله أو مزاولته لأعمال شاقة ومرهقة وانشغال الزوجة المفرط بالبيت والأولاد .

13-الخلافات التي نشأت مع الزمن ولم تحل بين الطرفين وبقيت تترسب في نفس أحد الزوجين حتى أصبح الصمت نوعا من العقاب يطبقه تجاه الآخر

14-إدمان وسائل الإعلام كالتليفزيون والانترنت التي تشجع علي الصمت البيتي

15-فتور المشاعر حيث تنطفئ جذوة الحب وتصبح المشاعر باردة باهتة بعدم التجديد والروتين والرتابة والملل في العلاقة الزوجية

ويرى بعض علماء النفس أن هناك أسبابا ودوافع إيجابية للصمت :

1-معرفة كل طرف لرأى الآخر في كثير من الأمور نظرا لطول العشرة .

2-النضج العقلي والعاطفي لكلا الطرفين بحيث تستخدم كلمات قليلة في الحوار بينهما ولكنها تحمل معان ومدلولات ومشاعر أكثر عمقا وإثراء.

3-نمو العديد من وسائل التواصل غير اللفظي مثل النظرة الودودة أو الابتسامة الحانية أو اللمسة الرقيقة أو الحضن الدافئ أو نظرة العتاب.

4- الاقتراب العاطفي والروحي بين الزوجين لدرجة لم تعد تحتاج إلى تأكيدات لفظية، والاقتراب لدرجة التوحد بينهما وبالتالي فمن المنطقي أن لا يحتاج الإنسان أن يكلم نفسه بصوت مسموع

5-أن يكون الصمت للاسترخاء والراحة  .

6-قد يكون الصمت لاستحواذ مشكلة ما على التفكير و الرغبة في حلها .

7-يكون الصمت علامة الرضا وكما يقال (السكوت علامة الرضا ) .

8-الرغبة في إخفاء حقيقة مؤذية لمشاعر الطرف الأخر كالعلاقات قبل الزواج مثلا .

 

ولكنى أرى أنه مع وجود هذه المشاعر الإيجابية تظل الحاجة إلى التواصل اللفظي حاجة ضرورية بين الزوجين فالحياة لا تمشى على وتيرة واحدة والإنسان في تغير وتطور مستمر هذا التغير يشمل أفكاره ومشاعره ورؤياه ومواقفه والذي لابد أن يعيها ويتفهمها الطرف الآخر .

ثانيا : أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية

-بسبب ضعف الوعي بمفهوم الزواج و الاعتماد على الخبرات المتراكمة عبر قرون والتي لم تعد تصلح في ظل التغيرات الاجتماعية الهائلة فالمرأة اليوم أصبحت أكثر وعيا بذاتها وأكثر مطالبة بحقوقها وأكثر مشاركة للرجل في الحياة العامة .

-الانفتاح الإعلامي العالمي وتأثير وسائل الإعلام الهائل والذي يعرض صورا مؤثرة غير واقعية عن الحب والرومانسية ...مما يسبب احباطات الزوجين بعد الزواج حين لا يجد الصورة الحالمة التي كان يتوقعها . فيؤدى شعوره بالفشل إلى الصمت .

-ارتفاع نسبة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وانتشار الفكر الرأسمالي المادي نتيجة سياسة العولمة و الرغبة الجامحة من الكل رجالا ونساء في إشباع الرغبات المادية على حساب حياتنا النفسية والعاطفية مما يسبب ضغوطا تمنع من التواصل الفعال بين الجميع على كل مستويات العلاقات الإنسانية .

-الإرهاب السياسي والفكري والذي يؤدي إلى سيادة السياسة القمعية ابتداء من الأسرة مرورا بالمؤسسات والمنظمات الاجتماعية والتعليمية إلى مؤسسات الدولة وتفشي ثقافة الاستسلام في جميع نواحي حياتنا فقلما تجد من يفكر لحل مشكلته بدلا من الصراخ والعويل .

ويكرس هذا الإرهاب أيضا ثقافة الصمت التي تقنع الفرد بأن الصمت أفضل وأسلم وثقافة الصبر وأنه أفضل من محاولة التغيير .